محمد جمال الدين القاسمي
221
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
الفرار منها ، كما يفعل الضعفاء من المنتسبين إلى السنة ، بل كل ما لزم من الحق فهو حق يتعين القول به كائنا ما كان . وهل تسلط أهل البدع والضلال على المنتسبين للسنة إلّا بهذه الطريق ؟ ألزموهم بلوازم تلزم الحق فلم يلتزموهم ودفعوها وأثبتوا ملزوماتها ، فتسطلوا عليهم بما أنكروه لا بما أثبتوه . فلو أثبتوا لوازم الحق ولم يفروا منها لم يجد أعداؤهم إليهم سبيلا . وإن لم تكن لازمة لهم ، فإلزامهم إياها باطل ، وعلى النقدين ، فلا طريق لهم إلى رد أقوالهم . وحينئذ فلهم جوابان : مركّب مجمل ، ومفرد مفصّل أما الأول ، فيقولون لهم : هذه اللوازم التي تلزمونا بها ، إمّا أن تكون لازمة في نفس الأمر ، وإمّا أن لا تكون لازمة . فإن كانت لازمة فهي حقّ ، إذ قد ثبت أن ما جاء به الرسول فهو الحق الصريح ، ولازم الحقّ حق . وإن لم تكن لازمة فهي مندفعة ، ولا يجوز إلزامها ولا التزامها . وأما الجواب المفصّل فيفردون كلّ إلزام بجواب ، ولا يردونه مطلقا ، بل ينظرون إلى ألفاظ ذلك الإلزام ومعانيه ، فإن كان لفظها موافقا لما جاء به الرسول يتضمن إثبات ما أثبته ، ونفي ما نفاه ، فلا يكون المعنى إلا حقا ، فيقبلون ذلك الإلزام . وإن كان مخالفا لما جاء به الرسول متضمّنا لنفي ما أثبته ، أو إثبات ما نفاه كان باطلا لفظا ومعنى ، فيقابلونه بالردّ ، وإن كان لفظا مجملا محتملا لحقّ وباطل لم يقبلوه مطلقا ، ولم يردوه مطلقا ، حتى يستفسروا قائله : ماذا أراد به ؟ فإن أراد معنى صحيحا مطابقا لما جاء به الرسول قبلوه ، ولم يطلقوا اللفظ المحتمل إطلاقا . وإن أراد معنى باطلا ردّوه ولم يطلقوا نفي اللفظ المحتمل أيضا . فهذه قاعدتهم التي يعتصمون ، وعليها يعولون ، وبسط هذه الكلمات يستدعي أسفارا لا سفرا واحدا ، ومن لا ضياء له لا ينتفع بها ، ولا بغيرها ، فلنقتصر عليها » انتهى بحروفه . ذكر انطواء القرآن على البراهين والأدلة قال الإمام الراغب الأصفهانيّ رحمه الله في مقدّمة تفسيره : « ما من برهان ولا دلالة وتقسيم وتحديد مبنيّ على كليات المعلومات العقلية والسمعية إلا وكتاب الله تعالى قد نطق به . لكن أورده تعالى على عادة العرب ، دون دقائق طرق الحكماء والمتكلمين لأمرين : أحدهما بسبب ما قاله : وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ . . . [ إبراهيم : 4 ] الآية . والثاني : إن المائل إلى دقيق المحاجة هو العاجز عن إقامة الحجة بالجليّ من الكلام . فإنّ من استطاع أن يفهم بالأوضح الذي يفهمه الأكثرون لم ينحط إلى الأغمض الذي لا يعرفه إلّا الأقلون ما لم يكن ملغزا . فأخرج تعالى مخاطباته في محاجة خلقه في أجلّ صورة تشتمل